أبي منصور الماتريدي

612

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والجواب عن هذا : أن هذه الآية إنما نزلت بقرب من مبعث رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، والقوم بأجمعهم كانوا أهل كفر وخسار ؛ فلذلك وقع الاستثناء على ما ذكر ؛ إذ استثناء القليل من الكثير هو المستحسن عند أهل اللغة ، وإن كان القسم الثاني في حد الجواز ، والقرآن في أعلى طبقات الكلام في الفصاحة . ثم قوله - عزّ وجل - : إِنَّ الْإِنْسانَ اسم جنس ؛ فكأنه أراد : جميع الناس ؛ ألا ترى أنه قال : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ، ولا تستثنى الجماعة من الفرد ؛ فكأنه يقول - على هذا - : إن الناس في أحوالهم واختياراتهم في خسر إلا من كانت تجارته في تلك الحالة ما ذكر . وقوله - عزّ وجل - : وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يحتمل أن يكون تأويله : الصالحات التي كانت معروفة في الكفر والإسلام من حسن الأخلاق وغيره ؛ ألا ترى أنه قال : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ آل عمران : 110 ] ، نقول : المعروف هو المعروف الذي هو معروف في الطبع والعقل ، والمنكر الذي ينكره العقل ، وينفر عنه الطبع . وإن كان المراد منه : الكفر ، فكأنه قال : إن الكافرين في هلاك وخسار ، إلا من آمن بالله تعالى ورسوله وعمل صالحا . ثم في هذه السورة ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وكذلك ذكر الصالحات في سورة « التين » « 1 » ، وترك ذكر الصالحات في سورة « الكبد » ؛ فكأن « 2 » الله - تعالى - ذكر الصالحات في تلك السورة ؛ لما قد كان ذكرها قبل ذلك ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [ البلد : 14 ] ، وغير ذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ : الحق في الأصل كل ما يحمد عليه فاعله ، والصبر : هو الكف عن كل ما يذم عليه فاعله ؛ فكأن التواصي بالحق تواص بكل ما يحمد عليه ، والتواصي بالصبر تواص عن كل ما يذم عليه . ثم [ في ] ظاهر قوله - تعالى - : وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا . . . الآية - ما يوجب أن من لم يجمع بين هذه الأشياء التي ذكرها لَفِي خُسْرٍ ؛ فيكون ظاهره حجة للخوارج والمعتزلة ، إلا أن الانفصال عن هذا - والله أعلم - : أن الله تعالى وعد الجنة لمن جمع هذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية ، وذكر الإيمان مفردا في آية أخرى ، ووعد عليه الجنة ؛ فلا يخلو وعده الجنة عن الإيمان المفرد في تلك الآية من أحد

--> ( 1 ) في ب : والتين . ( 2 ) في ب : وكان .